الإحتلال الإسرائيلي؛ هل هو ديني؟

jew arab

خلال المظاهرات الأخيرة في أكتوبر 2000 التي أتت على خلفية انتفاضة الأقصى، تجمع آلاف اليهود في الناصرة وتل أبيب ورموا حجارة على المتظاهرين العرب ودمروا ممتلكات تعود للعرب وهتفوا “الموت للعرب”. – هارتز، ١٢ ديسمبر ٢٠٠٠

 المقدمة:

قد كانت مقالة “أساطير التفوق الإسرائيلي” لبدر الإبراهيم، ومقالة “لماذا يجب أن ندعم قضية فلسطين؟” لسلطان العامر، ملهمه لي في كتابة هذه المقالة. مع أنهما قد وفّيا حق أحداث غزّة الأخيرة في نظر الكثير – وفي نظري أيضاً – إللا أنني قمت بمحاولة في توضيح المسألة الدينية بشكل مفصّل لأهميتها. ففي خضم هذا الحدث الأخير ـ وليس الآخر – ارتفع الصوت العربي الشاب رافضاً العدوان الإسرائيلي. وفي مغالطة ليست بالأولى من نوعها، إنطلق الكثيرون في تويتر والفيس بوك بالدفاع عن القضية من ناحية دينية، إنتهت أغلبها بأدعية لنصرة الإسلام والمسلمين، طارحاً سؤالاً بديهيًا: هل الإحتلال الإسرائيلي ديني؟

 موجز تاريخي للاستيطان:

كانت أول محاولة للاستيطان في عام 1625 ميلادي، وقد سمّي مشروع نونيزدا فونسيكا، يدعوا يإنشاء مستعمرة يهودية في كوراساو (مدينة في هولندا)، وقد وافق عليها المجلس الهولندي. وقد كانت المنظمات القائمة على مشاريع الإستيطان غير حكومية، فلا تملك صلاحيّات كافية، فكانت توطّن في أي مكان صالح للتوطين في العالم.

وتم توطين اليهود في سورينام (وقد كانت مستعمرة هولنديّة آنذاك) أيضاً في إطار مماثل إللا أنه تم القضاء على هذه الجيوب الإستيطانية من قبل الثوّار السود والسكّان الأصليين.

قامت تجربة أخرى بعدها بأربع سنوات، فقد منحت شركة فرنسية تصريحاً لديفيد ناسي ليؤسس مستعمرة يهودية في كايين (في غوايانا الفرنسية في إمريكا الجنوبية ).

كما قام البارون هيرش بتجربة توطين زراعي لليهود في آميريكا اللّاتينية من خلال دمجهم وجعلهم جزءاً من سكّان البلاد، وقد قام بذلك بإشراف رابطة الاستيطان اليهودي (إيكا) في محاوله لإستخدام الفائض البشري اليهودي من أوروبا بتوطينه في الأرجنتين وبوليفيا، وتحويلهم من عناصر طفيلية هامشية ضارة (كما كان يُقال آنذاك) إلى عناصر إنتاجية نافعة.

وقد قامت الحكومة الروسية القيصرية بمحاولة ممثالة أثر إقتراح قس في أن يوطّن اليهود في جيوب صغيرة في آسيا الصغرى لكي تكون قاعدتهم ضد الخلافة العثمانية، ووافقت الحكومة على إقتراحه. وقد كان للنازيين الألمان والفاشيين الإيطاليين مستوطنات أخرى لليهود خارج فلسطين. كما كان اليهود أيضاً جزء رئيس من التشكيل الاستيطاني في كندا، إلّا أنهم هاجروا إلى تورنتو على أثر حركة الإنفصاليين الفرنسيين في مونتريال – أو دعاة الفرنسة – الذّين كانوا يدعون لصبغ المنطقة بالصبغة الفرنسية.

 تعريف الصهيونية:

يعرّف عبدالوهاب المسيري الصهيونية الأساسية بحياديّتها التامة، فهي علمانية نفعية ماديّة رغم مايحيط بها من ديباجات دينية، فاليهودية في النظريّة الصهيونية مادّة نفعية لا قداسة لها. فهي ترى سلبية وجود اليهود في العالم الغربي المندمجة في مجتمعها وترى بإقامة إجتماع صهيوني في حيّز من الفراغ ـ أي فراغ ـ.

تم تأسيس المنظمة الصهيونية عام 1897 في بازل وقد أُنيطت بها مهمة تحقيق الأهداف الصهيونية على رأسها إقامة دولة لليهود، فقد كانت مهمّة المنظمة آنذاك المفاوضة مع الدول الإستعمارية الرئيسية – البرتغال وبريطانيا وفرنسا وأسبانيا – في محاولة لإستمالة إحداها في تبني المشروع الصهيوني، فلم يكن المشروع الصهيوني ليتجزأ أو يتعارض مع مصالح الدولة المستعمِرة، ولم يطالبوا بدولة يهودية مستقلة ذات سيادة، حتّى أن الكثير منهم كان معارضاً لمشروع الاستيطان الفلسطيني لوجود العرب هناك وعدم شغرها، ولم يكن ليعنيهم رأي اليهود (المجموعة الماديّة المستهدفة) في المشروع من كثير أو قليل.

 حجة تعدد الخيارات:

قد طرح هرتزل – مؤسس المنظمة ورئيسها آنذاك – بإنشاء مشروع استيطان في أوغندا شرقي إفريقيا عام 1903، وتم رفض مشروع هرتزل في عام 1905 وتسبب في إنشقاقات في المنظمة، انسحب على أثرها إسرائيل زانجويل وأتباعه من الصهاينة الإقليميين وقاموا بتأسيس منظمة مستقلة عرفت لاحقاً بالمنظمة الصهيونية الإقليمية، والّتي عملت هي الأخيرة على مشاريع استيطان أخرى، منهم الجمعية الصهيونية في نيويورك الّتي لا تزال قائمة إلى الآن، وكانت حجّتهم أنهم لا يثقون في المشروع الفلسطيني للاستيطان تاركين مستقبل “الشعب اليهودي” متوقّفاً على دولة إسرائيل. كما أن الحركة الصهوينية لم تكُن غافلة عن أهمية منطقة الخليج العربي، فقد تقدّم اليهودي الروسي مالرو ثستيرن بصفته محتدّثاً باسم الدولة اليهودية المقبلة بعرض للحكومة البريطانية في عام 1917 قبل وعد بلفور، بأن تساعده دول الحلفاء على خلق دولة يهودية على الخليج العربي، إللا أن الحكومة البريطانية رفضت الطلب لعدم إتفاقه مع مصالحها في المنطقة حين إذ.

 توضيح:

كما تتجلى علمانية المشروع الصهيوني في عدّة نقاط نرى فيها إعلان صارخ عن رفض تبنّي اليهودية كهويّة للدولة، وقد سمّاها بعض المؤرخين “المعادية لليهودية”، أهمها؛

– أن صهيون أرض ليست ذات قداسة، فلم يكن هرتزل يهتم بفلسطين، بل كان يبحث عن أرض علمانية صالحة للاستيطان أينما كانت.

– قد خاف أن تؤثر فلسطين على المشروع الصهيوني لأنها مشحونه بالدلالات الدينية الّتي قد تؤجج رغبة اليهود في العودة للحياة اليهودية التقليدية، الّتي كانت موضع ازدراء من جانبه لأنها لا تتماشى مع أسلوب الحياة العلمانية “الحديثة”.

– عدم تبّني الدولة لمفهوم اليهود كشعب الله المختار ذو الجذور الحاخامية، بل تم إعادة تعريف اليهود عرقيًّا على أساس مادّي، ينقل ويوظّف لمن يدفع أكثر، كبقية شعوب العالم.

 تعريج:

في نفس الوقت، تروّج الدعاية الصهيونية بأن جميع يهود العالم يقفون صف واحد خلف مشروع الاستيطان في فلسطين، وأن العداء اليهودي للصهيونية إنما هو عداء لليهودي نفسه. وهذا إدعاء غير صحيح، فيهود إسرئيل لا يعادلون ثلث يهود العالم، وقد كانت هنالك مقاومة شديدة من أغلبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم للمشروع الصهيوني في بداياته. وقد أقيمت العديد من المؤسسات اليهودية المقاومة للصهيونية، فقد قام اليهود العرب بإنشاء “عصبة المكافحة الصهيونية” في العراق، و “الرابطة الإسرائيلية لمكافحة الصهيونية” في مصر. كما أصدر يهود البحرين بياناً يعلنون فيه مكافحتهم للصهونية والوقوف جنباً لجنب مع بقيّة العرب. فلا يوجد بين الإسلام والعرب من ناحية واليهودية من ناحية أخرى أي صراع سياسي مسلح أو غير مسلح، إنما الصراع عربي إسرائيلي، صراع بين العرب والمستوطن الصهيوني في فلسطين الذي حصل على الأرض عن طريق العنف.

 إشكالية الفهم الخاطئ:

ثمّة إشكاليات متنوعة ساهمت في فهم القضيّة بالشكل الديني وتحويلها عن مسارها السياسي، وقد نحدد أبرز أسباب التحوّل في ثلاث نقاط؛

– تقسيم العرب إلى أقطار بفعل التقسيم الإستعماري، مما جعلهم مشتّتين يتفاعلون مع القضايا بشكل إنقسامي حسب الدين/المذهب، بدلاً من الوحدة/القومية، وأن فلسطين تمثّلهم كافة كعرب، وليس كأديان وطوائف.

– غياب المشروع القومي العربي من المخيلة، والّذي ساهم في غيابه الأنظمة السياسية للأقطار العربية الدّاعمة لمشاريع مضادّة للوحدة، كدعمها لحركات الإسلام السياسي، الّتي بدورها تفسّر القضايا القوميّة العربية بشكل ديني/مذهبي.

– قدسّية المنطقة الدّينية في اليهودية والإسلام، سهّل ذلك على الخطابين – الصهيوني والإسلامي – تسييس القضية وتحويلها.

– ترويج الدعاية الصهيونية المذكور آنفاً بتأصيلها للمشروع دينيّاً، ففسّرت احتلالها للأرض الفلسطينية بأنه إحتلال ديني يهودي لأرض مسلمة – وليس كأرض عربية – من حق اليهود لا المسلمين، مع أن مسألة تعدد الخيارات تنفي هذه النقطة إللا أنها تقوم بالتشويش عليها.

 عنصرية الوهم:

فمع أن حجّة تعدد الخيارات تنقض وهم الحرب الدّينية، إللا أن هذا الوهم مخيف، فهو يستهدف دين بعينه يشمل أجناس مختلفة – كما دخل البعد الديني بين الكاثوليك الأقلية والبروتستانت الأكثرية في حرب الجيش الإيرلندي الحر في سبعينات القرن الماضي مع بريطانيا الّتي هي في أصلها قضية سياسية -؛ ويظهر أثر هذا الوهم في خطاب رجال الدّين الذين يمارسون نفس المغالطة الّتي يقعون فيها عند الحديث عن القضية الفلسطينية، والتي أيضاً يقعون فيها عندما يتحدثون عن إحتلال العراق، فيفسّرونه بأنه حرب بين المسيحية والإسلام، ضاربين بمسيحيّي العراق ومسلمي آميركا عرض الحائط.

 “ضاحي خلفان: لإسرائيل حق العيش بأمان”.تويتر

 أمثلة دولية:

كما يوجد المنظمة اليهودية لمعادات الصهيونية في الولايات المتحّدة، التي تنظّم مؤتمرات ومظاهرات تعلن فيها رفضها لدولة إسرائيل. وأيضاً شخصيّات بارزة في الإعلام الآميركي منها سومونولوف، ونعوم تشومسكي، الّذي يملك ارشيف مشرّف في المقاومة، فقد انتقد الإحتلال الإسرائيلي في مقالات ومحاضرات في عدّة دول، والذّي أيضاً قامت الحكومة الإسرائيلية في إحدى المرات بمنعه من دخول الضفّة الغربية وزيارة غزّة. وفي الجهة المقابلة، نجد الكثير من الصهاينة العرب، كالكاتب الكويتي عبدالله الهدلق، الذّي سمى المقاومة الفلسطينية بالإرهابية وصنّف أفعالها بأنها “عدوان” على “دولة” سرائيل، فتأمّل.

 *شُكر إلى الصديق الذّي ساعدني في كتابة هذه المقالة، ثمر المرزوقي.

 مصادر:

  1. From Oslo to Iraq and the Road Map; Edward W. Said
  2. The Jews’ State; Theodor Herzl
  3. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية؛ عبدالوهاب المسيري
  4. كلنا فداك البحرين والقضية الفلسطينية؛ خالد البسام
  5. اليهود في الخليج؛ يوسف المطيري

فكرة واحدة على ”الإحتلال الإسرائيلي؛ هل هو ديني؟

  1. قام بإعادة تدوين هذه على ghadasaud وأضاف التعليق:
    مقال ممتاز جداً
    تحدث مغالطات كثيرة وظالمة للقضية الفلسطينية يجب توضيحها وتصححيها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s