دمج مسلمي فرنسا

*جوزيف مسعد

p08_20150127_pic1
لم تكن أساليب التعذيب التي وضعها الفرنسيون وليدة اللحظة، بل كانت قسوة مدروسة جيداً (أرشيف)

يقدم الفرنسيون أنفسهم، عادة، على أنهم أعظم مصممي الأزياء وسادة الطهي في العالم، وعلى أن لغتهم «المصقولة» و»الحضارية» هي الأنسب، من بين لغات العالم، لكلام الحب والعشق الرومانسي. وهكذا فعلاً يراهم الأوروبيون الغربيون والأميركيون البيض. لكن تختلط مشاعر الأميركيين البيض، كما هي الحال مع الألمان والبريطانيين، تجاه الفرنسيين ما بين الحب والكره، إلا أنه يبدو أن مشاعر الحب لدى الأميركيين قد طغت على الكراهية في الآونة الأخيرة بدليل المقال الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» لماري لوبن، زعيمة حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسيّ اليميني المتطرف والعنصريّ ضد المسلمين.

أما بالنسبة لباقي العالم، الممتد من جزر الأنتيل إلى شمال ووسط وغرب افريقيا، والشرق الأوسط وصولاً إلى جنوب شرق آسيا، فينظر إلى الفرنسيين على أنهم قتلة وجلادون متمرسون، وبأنهم لا يستخدمون لغتهم «المصقولة» و»الحضارية» لوصف مرقة قشطة لذيذة أو تصميم فستان سهرة أنيق، ناهيك عن الغزل والمغازلة، وإنما لإلحاق الألم والمعاناة بملايين لا تحصى من البشر. على الرغم من ذلك، فإن الثقافة الفرنسية المهيمنة تصر على رؤية نفسها من خلال عيونها هي لا عيون الآخرين، ويستفظع معظم الشعب الفرنسي أن يسائلهم أي شخص في العالم عن الصورة الجميلة والوردية التي يحملونها عن أنفسهم.

الوحشية الاستعمارية

سبب هذا التناقض ذو صلة بتاريخ وحاضر السياسات الفرنسية. دعونا نبدأ بالتاريخ: يسرد لنا تقرير عن الفظائع الاستعمارية الفرنسية في الهند الصينية للسنوات ١٩٣٠ـ١٩٣٣، في أعقاب اندلاع تمرد خليج ين في شباط/ فبراير عام ١٩٣٠، بعض أساليب التعذيب الوحشية العزيزة على قلوب الضباط الفرنسيين. ووفقاً للناشطة الفرنسية الشهيرة أندريه فيولي، فقد تضمنت أساليب التعذيب، بالإضافة إلى استخدام الكهرباء، والحرمان من الغذاء، والضرب بالعصا (على جلد باطن القدمين)، ودق المسامير تحت الأظافر، والشنق النصفي، والحرمان من المياه، وتثبيت الكماشات على جانبي الجمجمة (لإخراج العيون من محاجرها) وغيرها. كما تتضمن طريقة أخرى أكثر حساسية وهي استخدام «شفرة حلاقة، لشق أخاديد طويلة في جلد الساقين، وملء الجرح بالقطن ومن ثم إشعال النار بالقطن».

في عامي ١٩٤٧ـ١٩٤٨، جن جنون السلطات الاستعمارية الفرنسية في مدغشقر وعاث الجنود الفرنسيون بالأرض فساداً، ما أسفر عن مقتل واغتصاب سكان الجزيرة، وإحراق قرى بكاملها، عقاباً لهم على الانتفاضة القومية المدغشقرية المناوئة للاستعمار. وشملت بعض الممارسات ووسائل التعذيب التي يختص بها الفرنسيون تحديداً، والتي أطلق لها العنان على شعب مدغشقر، ما يسمى بـ «رحلات الموت الجوية»، حيث كانت تلقي الطائرات العسكرية الفرنسية المدغشقريين في وسط البحر ليموتوا غرقاً ويصبحوا في عداد «المفقودين».
وقد افتخر الفرنسيون بهذا الأسلوب الإجرامي لدرجة أن السلطات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر قررت استخدامه بعد بضع سنوات أثناء معركة الجزائر العاصمة في عامي ١٩٥٦ـ١٩٥٧، حيث قرر المظليون الفرنسيون تعديل طريقة القتل الوحشية عندما أخذت جثث القتلى الجزائريين تطفو على سطح البحر فاضحة جرائمهم. ما دفعهم لإجراء بعض التعديلات على عملية القتل هذه، وذلك بربط كتل خرسانية بأقدام الضحايا لضمان غرقهم بشكل دائم (وقد وجد جنرالات الأرجنتين الذين دعمتهم الولايات المتحدة في أواخر السبعينيات هذه الطريقة ملائمة جداً لجهودهم في قمع المقاومة للدكتاتورية التي مأسسوها هناك، فاستخدموها من دون رادع).
لم تكن أساليب التعذيب هذه التي وضعها الفرنسيون وليدة اللحظة، بل كانت قسوة مدروسة جيداً ومجربة أيضاً. ففي الجزائر في القرن التاسع عشر، قام الجنرال سانت ارنو بحرق الثوار الجزائريين أحياءً في الكهوف، كما قام جنوده باغتصاب النساء الجزائريات، وهي جرائم استمر الجنود الفرنسيون باقترافها أثناء الثورة الجزائرية في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين.
وتشمل تقديرات الذين قتلوا على أيدي الفرنسيين أكثر من مليون فييتنامي ومليون جزائري. أما بالنسبة لمدغشقر، فتصل التقديرات إلى أكثر من مئة ألف شخص قتلوا على أيدي الفرنسيين. وهذه ليست بالطبع سوى أمثلة قليلة على الوحشية الاستعمارية الفرنسية في بعض المستعمرات وليست قائمة شاملة على الإطلاق. أما الاستعمار الفرنسي الذي طرح نفسه كحامل لواء «مهمة حضارية» أو «تحضيرية» أو ما أسموه بـ mission civilisatrice فقد أخفق بشكل واضح بتحضير الفرنسيين أنفسهم قبل أن يحضر أي شعب آخر. ولما تزل هذه المهمة التحضيرية، على ما يبدو، حتى الآن غير منجزة!

الكاثوليكية العلمانية

لا تقتصر مسألة الكيفية التي يُنظر بها للفرنسيين فقط على التاريخ، بل هي ذات صلة أيضاً بالحاضر. ففي حين كان دمج السكان الأصليين في ثقافة وحضارة الفرنسيين المستعمِرين جوهر الكولونيالية والبرنامج الاستعماري الفرنسي، فقد راحت هذه الفلسفة تطارد الفرنسيين أنفسهم بعد انسحابهم الجزئي من المستعمرات، ووجدوا أن المهاجرين الأفارقة والعرب والهنود الصينيين، وغيرهم، في فرنسا «غير قابلين للاندماج» في السبل «الفرنسية». ويبدو أن المهاجرين إلى فرنسا من الألمان والروس والإسبان والإيطاليين، والمجريين على وجه الخصوص، هم فقط القابلون للدمج والاستيعاب الآن في المجتمع الفرنسي، بخلاف المهاجرين ذوي البشرة الغامقة، ولا سيما غير المسيحيين منهم.
وقد أسفرت مذبحة الجزائريين ــ الفرنسيين التي ارتكبتها الشرطة الفرنسية في تشرين الأول/ أكتوبر ١٩٦١ في باريس، والتي كانت مستوحاة بوضوح من «رحلات الموت الجوية» والتي تخصص فيها الجيش الفرنسي في الجزائر ومدغشقر، عن مقتل ما يزيد عن ٢٠٠ متظاهر مسلم (تصل بعض التقديرات إلى ما يفوق ٤٠٠ متظاهر) عن طريق اطلاق النار عليهم بالرصاص أو رميهم في نهر السين. ولم تقرّ الحكومات الفرنسية المتعاقبة المهيمِن عليها الفرنسيون الكاثوليكيون حتى عام ١٩٩٨ بالواقعة، معترفة أخيراً بأن الشرطة قتلت مجرد ٤٠ متظاهراً من ما مجموعه ٢٠٠ إلى ٤٠٠ ضحية.
أما معظم ضحايا الحكومة الفرنسية التي يهيمِن عليها الفرنسيون الكاثوليكيون، فيرون أن هذه الأعمال الوحشية والقاسية هي بمثابة سمة رئيسة للثقافة الفرنسية الكاثوليكية، إن لم تكن من مكوناتها الأساسية. وهذا الانطباع ليس حكراً على المسلمين الفرنسيين فحسب (حيث اشتقت السلطات الاستعمارية الفرنسية فئة «الفرنسيين المسلمين» أو “Français musulmans” في الجزائر في القرن التاسع عشر كمفهوم قانوني يطالب الجزائريين، من أجل الحصول على الجنسية الفرنسية بكامل حقوقها، بنبذ «الشريعة الإسلامية»، بما في ذلك تعدد الزوجات)، بل يشاركهم فيه اليهود الفرنسيون أيضاً الذين يرون بدورهم أن معاداة السامية هي أيضاً سمة رئيسة للثقافة الفرنسية الكاثوليكية. حيث أن الأخيرين قد تعرضوا من قبل نابليون عام ١٨٠٦ إلى اختبار -علماني أو كاثوليكي؟– مماثل، ما اضطرهم، لتبديد مخاوفه، لالتزام أنهم لن يتبعوا شرائع تعدد الزوجات والطلاق اليهودية التي تتناقض مع قوانين الدولة الفرنسية ولن يمارسوها كشرط لتحررهم من التمييز. بطبيعة الحال، تتقاطع قوانين الدولة الحديثة العلمانية في فرنسا صدفة مع فرض الزواج الأحادي الكاثوليكي الأصل والمنبع، وتتناقض أيضاً صدفة مع شريعة تعدد الزوجات اليهودية. وبعد كل ذلك، لا يزال الفرنسيون يرون ويقدمون أنفسهم للعالم على أنهم عشاق حساسون منغمسون بالتأمل الفلسفي، وكمثقفين ملتزمين، وكمدافعين عن العلمانية، أو ما يسمونها بـ”laïcité”!
والسمة الأخيرة هذه، أي العلمانية المزعومة، هي التي أصبحت جزءاً من العنصرية الرسمية وغير الرسمية ومن الحملات الطائفية التي يروِّج لها الفرنسيون الكاثوليكيون، «العلمانيون» بالطبع، ضد الفرنسيين المسلمين، ناهيك عن المسلمين خارج فرنسا. ومن هنا يوصف المسلمون الفرنسيون على أنهم من أصول جغرافية ودينية وثقافية أجنبية، من خارج فرنسا، وهي تهمة لا توجه البتة للمواطنين الفرنسيين من أصول إيطالية وألمانية وروسية وإسبانية ومجرية مهاجرة.
إذا أصر الفرنسيون الكاثوليكيون أنه كان يجب على المسلمين واليهود الجزائريين أن يصبحوا فرنسيي الثقافة في الجزائر تحت الحكم الفرنسي الكولونيالي (ويقال إن اليهود الفرنسيين من أصول جزائرية نجحوا في عملية التحول الثقافي هذه غداة استصدار مرسوم كريميو عام ١٨٧٠ الذي حول اليهود قانونياً من جزائريين إلى مواطنين فرنسيين، وهي الحالة القانونية التي ألغيت في وقت لاحق في ظل نظام فيشي المتعاون أثناء الحرب العالمية الثانية، كاشفة بذلك عن هشاشة التسامح الفرنسي الكاثوليكي)، فإن نفس الفرنسيين الكاثوليكيين هم من يصرون اليوم على أنه يجب على الفرنسيين من خلفية إسلامية جزائرية في فرنسا أن يندمجوا في ثقافة فرنسية متخيَلة، يُزعم أنها علمانية، وبالتأكيد ليست مسيحية!
ومن غير الواضح ما إذا كان قد سبق استيعاب ودمج الأقليات الفرنسية مثل البريتونيين، والكورسيكيين، والباسكيين، والألزاسيين – اعتقد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام ٢٠١١ أن الأخيرين ما زالوا يعيشون في ألمانيا لا داخل حدود فرنسا- بشكل كامل في هذه “الفرنسية” المزعومة أم ما زالوا بانتظار تعليمات جديدة لاتمام عملية الدمج.

قيم الجمهورية

في أعقاب الهجوم على مكاتب مجلة «شارلي ايبدو» الذي قام به رجلان فرنسيان مسلمان، والهجوم على متجر يهودي فرنسي قام به ثالث (تم تحديد الأصول الجغرافية لآباء هؤلاء الرجال على الفور من قبل وسائل الإعلام الفرنسية وقُدمت على أنها وثيقة الصلة، إن لم تكن المسبب الرئيس لجرائمهم)، اقترح الرئيس الفرنسي السابق من أصول كاثوليكية مجرية نيكولا ساركوزي (جده لأمه يهودي يوناني اعتنق الكاثوليكية عندما تزوج من جدته)، «طرد أي إمام [فرنسي] يحمل وجهات نظر لا تحترم قيم الجمهورية».
ليس واضحاً ما إذا كان ساركوزي سيوافق على أن يُطرد هو نفسه إلى المجر أو اليونان في حال تبنيه وجهات نظر “لا تحترم قيم الجمهورية”. ويظل من غير الواضح أيضاً ما إذا كان ينبغي أن يكون هذا مصير القساوسة الكاثوليك والحاخامات اليهود الفرنسيين إن قللوا من احترام هذه القيم؛ ولكن إذا كان وضع اليهود تحت حكم فيشي مؤشراً، فحتى الحاخامات أيضاً لن يكونوا بمنأى عن هذا المصير.
وعلى عكس التصور الذاتي لمعظم الفرنسيين الكاثوليكيين، فإن مشكلة الثقافة الفرنسية الكاثوليكية «العلمانية» المعاصرة والمهيمنة تكمن أصلاً في افتقارها إلى الصقل، حيث أن العنصرية الفرنسية تعبّر عن نفسها في معظم الأحيان في طرق مبتذلة ووقحة تخلو من العبارات الملطفة والتجميلية. وفي هذا، يختلف الفرنسيون عن أقرانهم الأميركيين والبريطانيين، حيث غالباً ما تصاغ عنصرية الأخيريْن بلغة ألطف اجتماعياً، وإن كانت تخفي من ورائها ذات الابتذال العنصري. لكن العنصرية الفرنسية الكاثوليكية تتطابق في ابتذالها ووقاحتها مع العنصرية اليهودية الإسرائيلية، التي لا تستسيغ أيضاً، وفي معظم الأحيان، الاطناب ومستحضرات التجميل اللغوية.
تتواصل اليوم سياسات الحكومة الفرنسية وجرائمها في مالي، وفي ليبيا وأفغانستان، وهي أبرز ثلاثة مواقع للتدخل العسكري الفرنسي في هذه الفترة. فعندما فتحت القوات الفرنسية النار على سيارة مدنية عام ٢٠١١، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين في أفغانستان، بينهم امرأة حامل وطفل، أعرب وزير الدفاع الفرنسي جيرار لونغيه عن «حزنه العميق» لمقتلهم، لكنه أضاف أن تصرف الجنود كان دفاعاً عن النفس حيث «رفضت» السيارة «التوقف رغم التحذيرات المتكررة».
أما الدعم الفرنسي المستمر للجهاديين في سوريا، بما في ذلك التسهيلات الفرنسية وتسهيلات حلف شمال الأطلسي، إن لم يكن تشجيعه، للمسلمين الفرنسيين بالانضمام للمعارك في سوريا، فيُكَذِب الرعب الرسمي لدى الفرنسيين الكاثوليكيين من صعود «داعش» وممارساته لقطع الروؤس. حيث يبدو وكأنما قد تم اندماج المتطوعين الفرنسيين المسلمين مع داعش بشكل جيد للغاية في الثقافة الفرنسية الكاثوليكية، لا سيما في ما يتعلق بالتعصب، وعدم التسامح، وقطع الروؤس – والأخيرة من الاختصاصات الثقاقية الفرنسية العلمانية، حيث استمرت الدولة الفرنسية بإعدام المجرمين بقطع رؤوسهم بالمقصلة حتى عام ١٩٧٧، وكان آخر شخص قطعت الدولة رأسه في فرنسا، من قبيل الصدفة، مجرم فرنسي مسلم.

مَن يستوجب الدمج؟

فرنسا هذه هي فرنسا التي تتهم مواطنيها المسلمين برفض الاندماج في ثقافتها، والتي لا تسائل نفسها البتة عن السبب الذي لا يجعلها تفكر بأنه ينبغي عليها أن تندمج في ثقافتهم. فالفرنسيون المسلمون هم أيضاً جزء من فرنسا ومن ثقافتها مثلهم مثل الفرنسيين الكاثوليكيين، خصوصاً أن فرنسا لم تعد ملكية حصرية للكاثوليكيين ليفعلوا بها ما يشاؤون. ربما كان بإمكان الفرنسيين الكاثوليكيين (هل نسميهم Gaulois؟) أن يتعلموا بعضاً من التسامح من الفرنسيين المسلمين. فالفرنسيون المسلمون هم مَن تحمل وتسامح لعقود طويلة وما زالوا يتحملون ويتسامحون قدر استطاعتهم مع العنصرية والتعصب وعدم التسامح الفرنسي الكاثوليكي. فهل بإمكان الفرنسيين الكاثوليكيين أن يتعلموا أن يتسامحوا مع تسامح الفرنسيين المسلمين؟ على الرغم من الصدمة التي يمكن أن تسببها هذه الفكرة الأخيرة للطائفيين والعنصريين الفرنسيين الكاثوليكيين (الذين هم بالطبع «علمانيون»)، فهؤلاء أنفسهم لم يعتقدوا أنها فكرة صادمة عندما سعوا، كأقلية من المستوطنين، لإجبار غالبية المستعمَرين للاندماج في ثقافتهم – بغض النظر عن ماهية ثقافتهم بالطبع.
لا يعرف المرء إن كان من المتوقع من الفرنسيين المسلمين تبني سبل التعذيب وأساليب القتل وعدم التسامح «العلماني» الفرنسية الكاثوليكية كجزء من عملية الاندماج. فإذا كان هذا هو المطلوب فعلاً، إذاً فقد جرى دمج ثلاثة فرنسيين مسلمين فقط لا غير، وهم الأخوان شريف وسعيد كواشي، الذين هاجموا مكاتب شارلي ايبدو، وأحمدي كوليبالي، الذي هاجم المتجر اليهودي.
لكن ما هو مذهل فعلاً هو رفض الحكومة الفرنسية الاعتراف بالنجاح الفائق للأخوين كواشي بالاندماج في الثقافة «الفرنسية» حيث طلبت من الحكومة الجزائرية دفنهما في الجزائر ــ وهي بلد لم يزرها الأخوان أبداً ــ وليس في فرنسا حيث وُلدا وتم دمجهما بطريقة نموذجية. رفضت الحكومة الجزائرية على الفور الطلب الفرنسي بالسماح بدفن مواطنين فرنسيين على أراضيها. وقد حصلت فرنسا على الإجابة ذاتها من حكومة مالي، التي رفضت أيضاً طلب الحكومة الفرنسية بدفن جثة المواطن الفرنسي كوليبالي على أراضيها.
ورغم فظاعة ما اقترفه الرجال الثلاثة، فإن جرائمهم تبدو هزيلة عددياً وباهتة بالمقارنة مع الفظائع الفرنسية الكاثوليكية الأكثر قسوة بكثير ومع جرائمها «العلمانية» التي وصلت إلى حد الإبادة الجماعية في مختلف أنحاء العالم. ولو بقي كوليبالي والأخوان كواشي على قيد الحياة، لكان عليهم تعلم العديد من الدروس الإضافية في القسوة والتعصب وعدم التسامح العنيف قبل أن يتمكنوا من الانخراط والذوبان والاندماج بالكامل في الثقافة الفرنسية الكاثوليكية العلمانية الحقة.
أما باقي الفرنسيين المسلمين، فيواصلون مقاومة الاندماج والذوبان في الثقافة الفرنسية الكاثوليكية العلمانية ويستمرون في رفضهم محاكاة المتعصبين واللامتسامحين والعنصريين الفرنسيين الكاثوليكيين «العلمانيين» والقلة القليلة من المسلمين الذين حذوا حذوهم. أما رد غالبية الفرنسيين المسلمين على الدعوات الفرنسية الكاثوليكية والعلمانية المتكررة للاندماج فهو رد صريح: «لا نريد الاندماج بثقافة كهذه، لكن شكراً لدعوتكم على أي حال» أو في لغة الفرنسيين «الحضارية المصقولة»:
«Merci, très peu pour nous!» .

* أستاذ السياسة والفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك، وصدر له أخيراً كتاب «الإسلام في اللبرالية» في اللغة الإنكليزية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s