قينان والنظارات السحرية

 

في فيلم للمخرج الإمريكي جون كاربنتر بعنوان “They Live”. يكتشف البطل نادا نظارات سحرية تمكنّه من الكشف عما تحت ظاهر الأشياء، فتتحول الإعلانات لعبارات بروباغندا وأشكال دولارات، حتى أن بعض البشر يتحولون إلى فضائيين، وهكذا تبدأ قصة نادا ومحاربة الفضائيين المتخفين ببدل رسمية.

منذ شهر تقريباً، انتشر مقطع لمضيّف بدوي يغسل أيدي ضيوفه بدهن العود، مما سبب حملة إعلامية وجماهيرية ضخمة في تويتر. حيث علّق مالك نجر على الموضوع قائلاً: “‏إذا جبت كائن صحراوي و عطيته فلوس كثيرة بدون ماتفلتر عقله بنظام تعليمي صارم راح تكون أكبر إنجازاته إنه يطلع عالواتساب ينهق ويهايط ويبذر الأكل”. حيث قمت بالتعليق عليها سابقاً في سلسلة تغريدات بتويتر.

لم يتوقف الأمر على ذلك، فاليوم، وبعد مضي شهر على ذلك الڤيديو، حاول الكاتب المخضرم قينان الغامدي التعليق على ظاهرة “الهياط” في مقالة بجريدة الوطن بعنوان “تاريخ الهياط عريق عراقة القبيلة والجهل“.

في هذه المقالة، يستعرض قينان الغامدي تأصل ثقافة الهياط في المجتمع العربي وأنه غير حديث بل متجذر ويعود لعهد عمر ابن كلثوم حيث يستشهد بمعلّقته كأقدم أمثلة الهياط في الثقافة العربية.

قبل الخوض في ماقال قينان، يجب أن نحاول تعريف كلمة هياط واستخداماتها، لكي نعي لماذا يصر أمثال قينان على استخدام هذا المصطلح.

منذ بدأ تشكّل ملامح الدولة الحديثة في السعودية، والتغيّر الإجتماعي والثقافي الجذري الّذي أحدثه اكتشاف النفط، قامت الدولة بتمدين البدو بعدّة طرق مُختلفة، مما شكّل انحسار ممتابع الى اليوم في عدد البدو داخل الحدود السعودية. على أثر عملية التمدين هذه، جاءت المدينة بمنظومة اجتماعية وثقافية كاملة مختلفة كلياً عن ماعهده البدوي فيما مضى، بل أصبحت كلمة بدوي عيارة يذكّره بها سكان المدينة دائماً بأنه لاينتمي إلى هذه الحياة. مع ذلك، حاولت القبائل البدوية السعودية جاهدةً في المحافظة على ماتبقى من منظومتها في وجه الموج المدني الهائج الذي واجهها فيما بعد تكون الدولة، حيث لم يبقى لهم من منظومتهم إلا شكلها الثقافي والذي يحاربه كاتبنا العزيز.

هنا نعود لكلمة “هياط” من جديد، كلمة هياط هي كلمة تستخدم لوصف بعض الظواهر الثقافية العربية، كالكرم والشجاعة، ولكن بمعنى ضمني سيء، حيث تكون هذه العادة – في وجهة نظر قينان – بالية واستعراضية ودليل على الجهل. المثير في الأمر هنا، أن كلمة هياط ارتبطت ارتباط وثيق في “الإستعراض” البدوي، فعندما ينحر البدوي ناقته للضيف يكون مهايطاً، بينما لو قام هذا البدوي نفسه، بعزم ضيفه على فطور الكاڤيار في مونتي كارلو – والذي قد يكلّف أضعاف ماتكبّده البدوي في عشاءه –، فلا حرج في ذلك.

يسرد قينان الغامدي في بداية مقالته قصّة حصلت له في أحد مقاهي الطائف حيث قامت مشادّة بين اثنين واستنجد أحدهم بقبيلته غامد، حيث يستنكر كاتبنا هذا “الاستنجاد” ويجده غير مبرر أبداً، فكيف لك أن تستنجد بقبيلتك؟ حتى أن صديقه خضر قال للمستنجد الغامدي: “غامد محترمون ونائمون!”. يصوّر قينان الإحترام بأنه عدم انشغالك بأمور أبناء قبيلتك، بل أن تنشغل بنفسك فقط. في نظر قينان، يجب أن يكون المجتمع أفراداً متشضين كلٌ منشغل بنفسه. يتابع قينان الغامدي فيقول معلقاً على هذه الحادث: “والشاهد هنا أنه مع الهياط لم يقل أنا ابن السعودية مثلاً.” فلدى قينان، لا حرج في أن تفاخر بوطنك ولكن إياك وأن تفاخر بقبيلتك. تعليق قينان هذا لم يحدث صدفةً، في مخيلة قينان والكثير من جيله من الحداثيين، لكي نتقدم “ونحدّث”، لابد من التخلي عن أي تمظهر يربطنا بماقبل الدولة الحديثة حتى وأن كان ثقافياً. فيجب أن نكون أفراداً، أفراداً وفقط.

حتى عندما حاولت هذه القبائل المغلوب على أمرها أن تظهر الولاء وتكرّم رجال الدولة المرابطين على حدودهم وبطريقتهم الخاصة، لم يرضى عنهم قينان، بل يستنكر ذلك ويؤكد أن هذه القبائل تحتوي فقراء كان أولى بالقبيلة أن تهتم بهم مادياً، أو أن تبني مدارس أو مستشفيات لو “أرادوا عملاً وطنياً حقيقياً.” هنا، لا يستنكر قينان تمظر القبيلة الثقافي وهياطها، بشرط أن تتصرف بشكل يلوق بالمجتمعات الحديثة وبشكل حضاري، أي أن تصبح غير بدوية. يعوز قينان أن سبب هذا التصرف هو “الجهل المفضي إلى الهياط والبحث عما يشوه سمعة الوطن وتقديمه كوطن قبائل من الجهل والتخلف.” في هذا السطر لوحده ثلاث نقاط مختلفة، الأولى: أن التمظهرات الثقافية البدوية تشوّه سمعة الوطن، أي أن هذه الأفعال – تضييف الجيش السعودي – محرجة إلى درجة أنها تخرب صورة الوطن أمام “الغير” الذي يتابع أفعالنا. الثانية: أن هذا الفعل، يقدّم مجتمعنا كمجتمع متكون من القبائل، وهذا بحد ذاته محرج جداً فكيف به أن يكون كذلك؟ فالجميع “ابن السعودية”. الثالثة: أن هذه القبائل ماهي إلا قبائل من الجهل والتخلف وليست غير ذلك، كل هذا فقط لأننا قررت أن تطبّق عاداتها الضيافية اتجاه الجيش.

في النهاية، يطالب قينان باستضافة هؤلاء “المهايطين” بحجة أنه يجب أن تتم مقابلتهم “لتفهم” لماذا يتصرف هؤلاء بهذه الطريقة؟ فقينان، متناسياً أنه ابن الباحة وغامد الهيلا، بات لا يستطيع فهم هذه العادات، بل أنه يريد مقابلة وقائمة اسئلة طويلة تطرح على هذا المهايطي لنفهم كيف يفكّر وندون الملاحظات. متناسياً كل مظاهر الهياط الّتي يراها كاتبنا العزيز يومياً في شوارع جدة – المليئة بسيارات الأجرة والپورشة – وقصورها الفارهة. وبعد كل هذا النقد للعادات التي يدّعي كاتبنا العزيز أنها متخلفة، يقوم بالمطالبة بقانون “يمنع” هذه العادات البالية بل ويجرّمها، فصاحبنا ليس يختلف مع هذه العادات البدوية فقط، بل هو لا يريد أن يراها أو يسمع عنها أبداً، مانعاً قبائل التخلف من ممارسة تخلفها، ولا أدري من المتخلف هنا.

إن الحرب الشعواء التي يقودها قينان الغامدي ومن معه من كارهين الذات، هي حرب ظاهرها معاداة التبذير، ولكن باطنها معاداة هذه العادات البدوية. فلا يمكن أن تجد لدى هؤلاء المتعالين أي ذم أو رفض لتمظهرات التبذير الغير بدوية، وذلك لارتباط هذه العادات بمنظومة ثقافية وضيعة ومتخلفة، وليس لأنها مبذّرة كما يدّعون.

6 أفكار على ”قينان والنظارات السحرية

  1. الكرم شيء جميل . لكن أن تصور كرمك وتنشره هذا مهايط. وأن تغسل يديك بدهن العود هذا فسق . وأن تمثل أنك تنحر أبنك لضيوفك هذه سفاهة.

    1. شكراً على مرورك أبوعبدالرحمن. أنا لا أوافق هذه الأفعال، لكن أنتقد انتقائية التوصيف بالفسق والتبذير. كيف يختلف مثلاً الغسيل بدهن العود عن شراء ساعة رولاكس قيمتها ربع مليون ريال؟ الإنتقائية أن يضايقك
      “نوع” معين من التبذير ولا يضايقك الآخر

  2. التبذير المحمود هو التبذير المغلف في مصانع غربية وبنكهات رأسمالية استعماراقتصادية أنيقة. هذا النوع من التبذير لن يلقى استهجانا لأنه مصل عالمي يتم حقنه في الثقافة المحلية يوما بعد يوم، وهو تحديدا ما أصاب “للبدوي” حين أُعطي الكثير من المال: اشترى نظارة غوتشي بدل أن يلف غترته بإتقان حول رأسه!
    أما المبالغة فهي الضيافة، فهي متجذرة في الثقافة المحلية ولا شأن لها بأموال النفط، فإكرام الضيف “بالنسبة والتناسب” كان دائما مبالغا فيه مقارنة بدخل المستضيف.. أو فقره!
    ما يحدث مع قينان وغيره أنهم يخجلون؛ ذاك الخجل الساذج والبسيط، كأفريقي ينظر لكاميرا المصوّر الأشقر لأول مرة، ويحاول أن يردم الفجوة الثقافية مع العالم، وهو يبتسم بصعوبة.
    هذا لا يعني أنني مع أي شكل من أشكال التبذير؛ لكن التبذير “المحلي” إن صح وصفه، يبدو بريئا وصادقا أمام غيره.

    شكرا على اللفتة الدقيقة.

  3. تحية طيبة ماجد،
    يأخذ المرء على عاتقه إنتقاد الأشياء، لأي سبب وجد، لكن هذا الإنتقاد قد يتحول لكلام مسموع أو مقروء في حالتنا هذه. وقعت على حسابك اللطيف صدفةً في تويتر، وليس لأَنِّي في فضاء مختلف عن طرحك، بل لأَنِّي منقطع من سنوات عن الشبكة. في واقع مختلف وزمن متأخر قليلاً، كنت لن أغادر حسابك، دون ان أتابعك.
    على كل حال، احتاجت للتمهيد، لأصل للغاية. أجدك ذَا لغة جميلة، قراءة مميزة، وعروبي في التوجه وهؤلاء دائماً يجدون بقعة في قلبي لسبب ليس آيدلوجياً بالقطع. ما أحببت ان أوصله في قفزي المفاجئ على مساحتك هو التالي، أعتقد أنك في كثير من الأحوال تجنح لممارسة شكل من الأستاذية على محاورك، بإستخدامك لمفردات هي في غالب الأمر أكبر من مخيلة الشخص المقابل ليستوعب. هذا قد يخلق شكل من الفجوة معه، بحيث يجد ان الإمعان في الخطأ، أهون من الإياب للحق.
    دمت بود، وسعدت حقاً بوقتي هنا.

    1. مرحباً يامنذر،
      شكراً لتعليقك اللطيف، بالنسبة لهذه المقالة، لا أعتقد أنها تحتوي أياً من المفردات الصعبة، بل كانت أقرب إلى التعقيب من المقالة. قد يكون انفعالي ظاهراً بين السطور أثر كتابتي الفورية لها بعد قراءة مقالة قينان.
      شكراً لك مرة أخرى على التوقّف هنا والتعليق، وأتشرف بمتابعتك.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s