نقد بركة يقابل بركة

وجدة في جزئها الثاني: بركة يقابل بركة

تنصل: الأفكار الواردة في هذه المقالة هي نقد فنّي صرف لمحتوى فيلم بركة يقابل بركة، مع كامل التقدير والاحترام لجهود الأصدقاء العاملين على الفيلم، فكم نحتاجهم. ولكننا أيضاً نحتاج للنقد، فلا معنى للعمل الفني إذا لم يفتح باباً للنقاش.

مجازاً، نستطيع أن نقول إن السينما السعودية بدأت مع ظهور فيلم وجدة (٢٠١٣)، الذي شاركت فيه المخرجة هيفاء في عدة مهرجانات عالمية وعرض في مدن عديدة حول العالم، حيث تجدر الإشارة هنا بمقالة طارق الحيدر في نقد وجدة بعنوان “استثنائية هيفاء المنصور وفشل وجدة”.

يقول طارق الحيدر في “استثنائية هيفاء المنصور وفشل وجدة” بأن “كل عمل فني، وخصوصاً إذا كان عملاً سردياً كالرواية أو القصة أو الفيلم، يحدد لنفسه مشروعاً، ثم يقوم بمعالجة المشكلة التي يطرحها. وعلى أساس هذه المعالجة يتم تقييم مدى نجاح العمل الفني.” على ضوء ذلك، سوف أقوم بتقييم فيلم بركة يقابل بركة، حيث سأبين أن السينما السعودية لازالت حبيسة لتجربة “وجدة”. وإلى بجانب ذلك، سأقوم بتقييم الجماليات في الفيلم، من تصوير، وتمثيل، وموسيقى وأزياء.

عن ماذا يدور الفيلم: 

ظاهرياً، يتحدث فيلم بركة عن قصة شاب سعودي اسمه بركة يعمل في بلدية مدينة جدة، يلتقي بركة بفتاة–اسمها أيضاً بركة–من نجوم وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تنتمي إلى طبقة غنية، حيث يقع في حبها منذ أول نظرة. تدور أحداث الفيلم خلال ٨٨ دقيقة حول قصة حب بركة وبركة في إطار رومانسي/كوميدي. يستخدم مخرج الفيلم محمود صباغ هذا السيناريو ليقوم بتصوير الفكرة الرئيسية التي يرغب مناقشتها في الفيلم: غياب الفضاءات العامة في السعودية.

ماهي مشكلة الافلام السعودية؟

عندما صدر فيلم وجدة في عام ٢٠١٣، كان النقد الذي يوجّه للفيلم يتم الرد عليه بإحدى الردود التالية، والتي تتكرر أيضاً عند محاولة انتقاد فيلم بركة:

١- أن هذا الفيلم سعودي، لذا الأجدى علينا كسعوديين أن نقوم بدعم الفيلم من باب دعم المنتجات الوطنية.

٢- أن المخرجة لم تكذب، ولم ترمي المجتمع بما ليس فيه، بل كل ما ورد في الفيلم هو واقع مُعاش.

هذه الردود، بغض النظر عن صحتها، تحتوي إشكال ضمني في محتواها. فبالنسبة للاعتراض الأول، الأولى بنا كسعوديين نقد مخرجات المشهد الفني السعودي، ليس كي نثبّط من عزيمة رواده، ولكن لكي نسلط الضوء على نقاط ضعفه، ونحاول أن نتلافى الأخطاء التي وقعنا بها في المرة الأولى. أما الاعتراض الثاني، فيأتي إشكاله بأنه يعامل الفيلم كفيلم وثائقي يتناول الواقع المعاش في السعودية، وينقل هذه الصورة إلى المجتمع الغربي من خلال السينما. ضمن هذا الإطار، لا يتم تقييم الفيلم كفيلم تجاري، بل كمدخل أنثروبولوجي لفهم واقع المجتمع السعودي.

هذا الإطار الأنثروبولوجي، ومع الأسف، يتم استخدامه من قِبل المشاهد والمخرج على حد سواء. ففي حالة المخرج، هيفاء المنصور يليها محمود صباغ، يتم استخدام هذا الإطار عمداً، كي يستسيغه المتلقي الغربي. فعندما تصنع هيفاء المنصور فيلم يدور حول قضية قيادة المرأة للسيارة، أو عندما يتمحور فيلم صباغ حول كيف يمكن لعاشقين أن يلتقيا في السعودية. هذه معلومات جديدة على المتلقي السعودي، بل أنها واقع معاش لا يستغربه بشكل يومي، كما يفعل أبطالفيلم بركة في كل مشهد، نجد صباغ يرضخ للصورة النمطية الغربية عن السعودية طوال الفيلم كما فعلت هيفاء المنصور من قبله. هذا الاشكال يحصل حين لا يعطي المخرج الأولوية للمتلقي المحلي في خطابه، موجها إياه -أي اخطاب العمل الفني- إلى المتلقي الغربي لرفع فرص انتشار العمل عالميا. فعلى سبيل المثال نجد بوستر الفيلم يحوي صورة البطل وهو يرتدي الثوب والعقال، ولقطات تلعب على وتر “المحافظة السعودية”، مثل أن يحمل بركة الذكر في بداية الفيلم حمالة صدر بين يديه وهو يلبس الشماغ، أو أن تسوق بركة الأنثى سيارة في وسط جدة. في المقابل وبعقد مقارنة بسيطة مع ما تصدره قناة تلفاز١١على اليوتيوب والتي تخاطب المتفرج السعودي وتتحدث بلغته التي يفهمها. على سبيل المثال حلقة “مدرسة علوم المرجلة” تضع في الاعتبار علاقة المتلقي المحلي وليس الغربي بمحتوى العمل، فتقوم بصناعة حلقة يقوم بشكل رئيسي على خلفية المتلقي السعودي عن المحتوى المطروح في الحلقة. هذه العلاقة التي يبنيها تلفاز١١ مع المتلقي السعودي من خلال حلقة كهذه، هي علاقة داخلية، بين جماعة وجماعة أخرى من نفس المحيط الثقافي. على الصعيد الآخر، نجد أن بركة حاول أن يبني علاقة بين الملتقي الغربي، ومحتوى العمل المحلي، فيحاول طوال الفيلم أن يطّعم العمل بما هو مألوف للمتلقي الغربي عن السعودية. ماذا يعرف الغربي عن السعودية؟ سنقدمه له ولكن بشكل أفضل. إلا أن هذه العلاقة معقدة أكثر من نظيرتها، حيث أن صانع الفيلم العربي، يضع نصب عينية المشاركة في المهرجانات الدولية، والتي تحدث أشهرها في الدول الغربية، مثل مهرجان كان للأفلام، أو مهرجان تورنتو للأفلام العالمية. فيجد المخرج نفسه بين رحى المحتوى المحلي المتسق، والرغبة في المشاركة في المهرجانات الدولية.

في لقاء أجريته مع ميشيل مشبك، صاحب دار النشر إنترلنك في الولايات المتحدة، والتي تقوم بترجمة الأعمال من وطننا العربي وشرقي إفريقيا، يقول صاحب الدار: “عملية ترجمة الأعمال عملية صعبة، فعوضاً عن صعوبة تحويل المعنى من لغة إلى أخرى، فقد يعود هذا بالوبال على الكاتب نفسه، دائماً ما نقوم بترجمة عمل لكاتب ما، وبعد مدة، نجد الكاتب قد أرسل لنا عمل آخر يود ترجمته إلى الإنجليزية، هذا العمل، يكون موجّة تماماً إلى القارئ الأجنبي، وليس كالعمل الذي سبقه. في هذا العمل الجديد، يركز الكاتب على أن يلعب على وتر التصورات المسبقة للقارئ الغربي عن ثقافة الكاتب، هذه المحاكاة الزائفة دائماً ما تصنع عمل ركيك ومبني على تصورات استشراقية.” 

 

كيف يتم توصيل الفكرة؟

المشكلة الرئيسية للسيناريو في فيلم بركة هو التلقين المباشر الذي مارسه المخرج للفكرة الرئيسية في الفيلم في أكثر من مشهد. خلال الفيلم، يقوم المخرج بتلقين أفكاره بشكل مباشر للمتلقي حيث أن السيناريو من كتابة المخرج أيضاً. هذا التلقين، لا يأتي عن طريق أحداث الفيلم أو العقدة الرئيسية فحسب، بل يأتي على لسان الشخصيات في أغلب الأوقات، بسبب أو من غير سبب. في أكثر المشاهد رومانسية–مثل لقطة القارب–، نجد كلا البركتين دائم التذمر من غياب هذا الفضاء العام. هذا التذمر، لا يراعي اختلاف الطبقة أو الخلفية الثقافية، بل أن البطلين يقومان بالتذمر على حد سواء وفي غالب الأوقات. بالإضافة أننا طوال الفيلم نشعر بأن البطلين مخنوقين ولا مجال لالتقائهم، إلا أن الحوارات تعيد تأكيد ذلك، فيردد الأبطال معاناتهم على مسامعنا بين الفينة والأخرى، وكأن المشاهد لا يستطيع أن يفهم مشكلة غياب الفضاءات العامة التي يتناولها الفيلم، ويحتاج أن يسمع ذلك على لسان البركتين. ولا يقف التلقين عند هذا الحد، ففي الدقيقة ٢٨:٠٤، يظهر لنا المخرج أمام الكاميرا بنفسه في مقطع يقارب الثلاثين ثانية، ليقول لنا بلسانه عن إشكال الفضاءات العامة في السعودية، حيث يقول:

“ياخي لوسمحت افهمني، أرجوك خلوا الكراسي، أنتم قاعدين تخطفون الشارع. تخلوا تيار أحادي ينفرد فيه بعدين تبكوا على نموا الإرهاب والتطرف بين الشباب… عفواً هذي أحادية، المقاهي مساحة حرة في كل المدن، فوق معليش فهم مراقبين البلدية. ياخي ما أغلط بس هنا مساحة حرة للجميع. هنا الشباب يجي يلقوا همومهم بعد يومهم الطويل” وبعد أن يكرر عليه بركة قوانين البلدية وأنظمتها، يكرر المخرج: “أنتم تخنقون الفضاء العام!”

وفي المشهد الذي يليه، يجلس بركة مع عمه دعّاش في الشيشة، ويسترجع بركة كلام صاحب المقهى قائلاً:” الولد اليوم اللي قفلنا قهوته، كان يقول كلام حلو وموزون، بس نفذنا عليه النظام ومارحمناه أبداً. مع أنه بيقول أشياء صح. عارف، مو واجب ولا وظيفة، كدا كأني متبرمج. احنا بنتسامح مع أشياء كثير، ماهي منطقية في حياتنا، والمنع الزايد دا تراه غلط“.

في هذين المشهدين، يختصر صباغ الرسالة التي يريد إيصالها من فلمه -السيطرة على الفضاءات العامة- بتلقينها للمتلقي بالملعقة، من فم المخرج إلى إذن المشاهد.

 

ذاكرة الصحوة:

لم يكن هذا كافياً في نظر المخرج، ففي منتصف الفيلم (الدقيقة ٤٢:٥٥) يقوم صباغ بنقل الكاميرا لتعرض صور حيّة من “ذاكرة الصحوة”، متبنياً الخطاب الليبرالي الكلاسيكي في وصف السعودية ما قبل ما الصحوة[1]، من صور لشيوخ يقومون بتكسير أدوات موسيقية، إلى صور نساء منقبات، وصور لزي مضيفات الخطوط الجوية العربية السعودية الحالي، تتبعها صور لجيل ما قبل الصحوة، مسرح، وتلفزيون، ومضيفات يرتدين التنانير القصيرة. يقوم بركة بعد ذلك بالتعليق في عتاب لجيل والده، فيقول: “جيلك عاش بالطول والعرض، ولما كبر، خاف. وسلم، لكن جنى على جيلنا”.

في تناول صباغ لإشكالية الفيلم الرئيسية التي طرحناها سابقاً -غياب الفضاءات العامة- نجده غير متسق في معالجة المسألة، ففي لقطة شريط ذاكرة الصحوة، نجده يركز على التيار الإسلامي كعدو للفنون والموسيقى، إلا أنه طوال الفيلم، يصور الدولة، بجهاز البلدية، هو الفاعل في خنق الفضاء العام. فنجد بركة يطارد الجميع، من محلات ومقاهي وجلسات تصوير، بحثاً عن تصاريح من البلدية. كما أنه أيضاً يلوم والده، وكأن والده كان هو المسؤول عن لبس المضيفات للتنورة، أو عن تكسير الآلات الموسيقية. بل أن الصحوة، التي يدعي صباغ أنها هي من سرق الفضاء العام، لا تأتي إلا في لقطة واحدة طوال الفيلم، عندما يمر اثنان من الشباب المتدينين على العم دعاش في القهوة، وينصحونه بأن يخفض من صوت أم كلثوم.

 

الناحية الفنية للعمل:

العمل عبارة عن لقطات سريعة–أو سكتشات. فلا يكاد أي حوار يمتد لأكثر من نصف دقيقة. وقد يكون هذا متعمداً من المخرج، لكنه يسبب تشتت للمتلقي، فلا تكاد أن تدخل في مشهد حتى ينقطع وتدخل في مشهد آخر. 

على صعيد آخر، تفوق الفيلم في السينما-توغروفي منذ اللقطة الأولى فوق جسر الكورنيش (0:00:31)، مروراً بلقطة الحمام الذي يحوم حول برج خزام (0:02:40) كما كانت الاختيارات الموسيقية في العمل مميزة أيضاً.

تفوق صباغ بجدارة في إيصال صورة ابن حارة جنوب جدة باختيار سامي حفني لأداء دور العم دعّاش، سواء من ناحية الزي أو اللهجة أو حتى نمط الحياة المتسق مع ذاته. بالمقارنة، كان لبس بركة الذكر الأضعف في الفيلم ولا يمثل ابن حارات جنوب جدة. حيث كان شماغه صغير جداً (بمقاس ٣٨ تقريباً)، ومرمي إلى الخلف طوال الفيلم، ولم يكلف البطل نفسه لـ”يشخّص” ولو لمرة واحدة طوال الفيلم. حتى أن بركة لم يكن قادراً على التحرك بأريحية –كما يجدر بموظف حكومي اعتاد لبس الشماغ–. وفي المقابل، عندما يذهب إلى محل الشيشة مع العم دعاش أو عندما يذهب إلى شاليه صديقته بيبي، كان يظهر بتسريحة شعر بوهيمية وأقمصة أفريقية، وكأن البطل خرج للتو من أزقة بروكلين، وليس موظف بلدية يقطن في حي فقير من أحياء جنوب جدة. وحتى على صعيد اللهجة والصوت، كانت ولهجته البطل غير متماهية مع خلفيته الثقافية ومختلفة كلياً عن العم دعّاش والداية سعدية، وكأنه جاء من أحياء شمال جدة الغنية وسكن معهم بمحض الصدفة.

هذه التناقضات في الشخصية، جعلت من شخصية بركة شخصية ركيكة، فلا تكاد أن تعرف ماهيتها، هل هو موظف بلدية؟ هل هو مثقف؟ كيف يكون موظف بلدية من أبناء الجنوب، وفي نفس الوقت يقوم بتمثيل هاملت ويستخدم مفردات مثل “فن مفاهيمي”؟

مقارنة ببركة الذكر، تفوقت بركة الأنثى في تمثيلها، فقد كانت متماهية مع خلفيتها الثقافية في الفيلم، سواء من ناحية المظهر، أو الملبس، الاهتمامات، اللغة أو اللهجة. كان من السهل عليّ قراءة شخصيتها، بينما واجهت صعوبة في قراءة شخصية بركة الذكر.

الجندر:

يقوم صباغ في فيلم بركة باللعب على وتر الجندر بطريقة ذكية، حيث يتساوى البطلين في الاسم، فكلا البطل الذكر والأنثى يحملان ذات الاسم. حتى على صعيد العلاقات، يظهر بركة الذكر كمفعول به مقابل بركة الأنثى كفاعل، فتقوم هي بتحديد أماكن اللقاء، وغالباً ما تكون هي من ينهي اللقاء، وتتخذ قرارات جريئة كأن أن تقترح الهجرة خارج المملكة. بالإضافة لذلك، يقوم بركة بأداء دور أوفيليا في مسرحية هاملت. إلا أن المخرج يتجاوز في اللعب على هذا الوتر، فيقوم بصناعة حفلة تنكرية طارئة على القصة، تقوم فيها النساء بلبس بارتداء أزياء رجالية وتخرج بيبي بزي رجل وتقود سيارتها في شوارع جدة، بشكل مضطرب وطارئ لا يمكن ربطه بسياق القصة.

خاتمة:

لا يزال المشهد السينمائي في السعودية في بداياته وبحاجة إلى الكثير من النقد، ولابد أن يواجه عدة إشكالات على أصعدة مختلفة، ولكي يتطور المشهد السينمائي في السعودية، ولكي يكون مشهد سينمائي “سعودي”، فالأولى عليه أن يخاطب أولاً المشاهد المحلي، فهذا هو الاختبار الحقيقي.

[1] لن أقوم بمناقشة هذه السردية للتاريخ السعودي في هذه المقالة، وهي السردية التي يتبناها التيار الليبرالي في السعودية ككل. قد أتطرق لها في مقال آخر.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s